إلى أواخر الربع الأول من القرن العشرين، فضل المغاربة المسلمون استيداع نقودهم في منازلهم  بدلا من تسليم جزء منها لبنوك فتحها اليهود والنصارى في بعض الموانئ المغربية ابتداء من 1844. واجتنبوا تمويل فلاحتهم وصناعتهم وتجارتهم بواسطة الاقتراض لأن معظمهم كانوا يعتبرون الدَّيْن هما بالليل ومذلة بالنهار، والفائدة ِربا حرمه القرآن. وهكذا انحصرت علاقة بعض التجار مع المؤسسات البنكية في صرف ما كانوا يستلمونه من نقود أجنبية مقابل مبيعاتهم من الحبوب وغيرها من المواد الفلاحية المصدرة إلى أوربا. وحاول المغـاربة المسـلمون أن لا يتعـاملوا بينهم ومع غيرهم بالريالات الورقية  الـتي شرع في إصـدارها، ابتداء من شهر ديسمبر 1910، مصرف دولي كان قد أُحدِث في المغرب تحت اسم "البنك المخزني المغربي". ورغم سحب "الحسني" الفضي ابتداء من أكتوبر 1919 وتعويضه بالفرنك الورقي، لم تقو بصفة ملموسة علاقة المغاربة المسلمين مع القطاع البنكي خلال ما تبقى من عهد الحماية وذلك، رغم أن الضرورات الاقتصادية والظروف الأمنية جعلت بعض كبار التجار وعددا من الوجهاء يفتحون حسابات مصرفية لإيداع أموالهم النقدية.

وقبل نهاية عهد الحماية، لم يزاول سوى عدد قليل من المغاربة المسلمين مهنة موظف بنكي على مستوى أعلى من رتبة "شاوش" أو حارس، ولم يتقلدوا أي مسؤولية تستحق الذكر. وبعد ما استرجع المغرب استقلاله في 1956 وخلال بضع سنين، بقيت جميع البنوك مسيرة من طرف أطر تقنية أغلبيتهم أجانب. هذا ما حدث حتى في بنك المغرب الذي عوض "البنك المخزني" ابتداء من فاتح يوليو 1959، إذ، قبل سنة 1966، لم تشمل مَغْرَبة المسؤولية العليا في إدارته المركزية إلا مناصب الوالي ونائب الوالي ورئيس قسم المستخدمين. وتأخرت مَغْرَبة الأطر العليا في بنوك القطاع الخاص إلى ما بعد الستينات من القرن العشرين. ولم تتم إلا تدريجيا بعد المغربة الجزئية لرؤوس الأموال ولما أصبح استئجار خبراء أجانب  يُكلِّف مبالغ تفوق بكثير ما يقبله المرشحون المحليون. هذا وإن أغلبية الرؤساء والمديرين العامين المغاربة لم يستغنوا عن خدمات مستشارين تقنيين فرنسيين تبين فيما بعد بأن كفاءة  بعضهم كانت جد محدودة.

تلعب البنوك دور الوسيط بين مجموعتين من الأشخاص الطبيعيين والمعنويين: مجموعة تملك فوائض نقدية من جهة، ومجموعة محتاجة إلى دعم مالي لقضاء مآربها الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى. وتنحصر مهمتها الأساسية في جلب وتوجيه فوائض المجموعة الأولى نحو المجموعة الثانية. ويُستوعب جزء كبير من تلك الفوائض على شكل ودائع، التي ما هي إلا اقتراضات بفائدة (ودائع لأجل) و بدون فائدة (ودائع "تحت الطلب"، أو "بالإطلاع" كما سُمِّيت باللغة العربية في مدونة التجارة المغربية)، وذلك مع العلم أن الأوراق النقدية نفسها تمثل في الحقيقة دَيْنا على بنك الإصدار. ومن أجل الحصول على موارد إضافية على شكل أموال ذاتية (الزيادة في رأس المال) وقروض طويلة ومتوسطة وقصيرة المدى، تلجأ البنوك إلى المساهمين فيها وإلى السوقين المالية والنقدية وإلى مؤسسات دولية مهمتها دعم مشاريع التنمية.

بما أن استعمال معظم موارد البنوك يتم على شكل قروض، وبما أن إنجاز السلفات البنكية يؤدي إلى خلق سيولة نقدية إضافية، وبما أن جزءا من هذه السيولة يتم إيداعه في البنوك ، يتبين بأن الإقراض المصرفي وسيلة لخلق ودائع جديدة، وبأن الإيداع وسيلة لخلق قروض جديدة. ويمكن القول بعبارة أخرى بأن  النقود، سواء اكتست صبغة أوراق بنكية (نقود ائتمانية) أو ودائع تُحَرَّك بالشيكات و بالحوالات  و ببطاقات الاعتماد (نقود كتابية)، ما هي في وقتنا هذا إلا ديون على المؤسسات المصرفية بما فيها البنك المركزي وأن حجمها يتسع ويتقلص مع اتساع وتقلص حجم القروض البنكية. إذن، لو لم تكن هناك ديون على البنوك وأخرى لصالحها لما كانت هناك نقود  تيسر البيع والشراء والتخصص وتوزيع العمل.

 هذا وإن المبالغة في توسيع حجم القروض المصرفية في مجتمع تَعوّد على التعامل بالنقود الإتمانئة والكتابية تدفع إلى ما يسمى بالتضخم المالي وما يعقبه من ارتفاع في الأسعار. بينما التقليص الشديد لنفس القروض  يمكن أن يؤدي إلى الركود الاقتصادي وما ينتج عنه من ارتفاع في مستوى البطالة. وفي كلتا الحالتين لا يستبعد أن يتضرر من يزود البنوك بالموارد المالية. وإذا كان التضخم المالي ظاهرة يترتب عنها انخفاض القيمة الشرائية للنقود، فإن الركود الاقتصادي، خصوصا إذا اشتد وعم، يحول دون استرجاع القروض المستحقة، بحيث لا يستبعد أن لا تجد البنوك المال الكافي لرد ودائع الزبناء وغيرها من الديون التي تراكمت عليها. هذا ما حدث بين سنتي 1929 و1934 في الولايات المتحدة، أين ركود اقتصادي لم يسبق له نظير، على الأقل في العهد الحديث، أدى إلى إعلانُ إفلاس حوالي 58.000 مقاولة من بينها 5.000 بنك تجاري، الشيء الذي جعل 13 مليون من السكان يفقدون ودائع بنكية كانت تمثل جل ما كانوا قد وفروه من قبل. 

في المغرب، انتقل جاري القروض البنكية التي استفاد منها القطاع الخاص من أقل من مليار درهم في  نهاية سنة1960  إلى 44 مليار في نهاية 1990 إلى 340 مليار في نهاية 2006. وقد تهافت المواطنون ومؤسساتهم الاقتصادية على القروض خصوصا في العشر سنوات الأخيرة من القرن العشرين لا من أجل تمويل الاستثمار واقتناء السكن المناسب وتجهيزه فحسب، بل بالخصوص للمضاربة والبذخ والتبذير واستهلاك ما يصنع خارج البلاد. ومما يدل على المبالغة في الاقتراض غير المفيد للاقتصاد الوطني ضعف متوسط الزيادة التي سجلها الناتج الداخلي الإجمالي بالأثمان القارة خلال نفس الفترة.

يعتبر منح القروض لمن لن يستطيع إرجاعها، وعدم احترام ما يسمى في اللهجة البنكية بقواعد الحذر في توزيع موارد معظمها مُقترضة مخالفات تترتب عنها خسائر تضغط على ما للبنك الذي يرتكبها من أموال ذاتية وعلى قدرته على الأداء، وبالتالي لا يُستبعد أن تؤثر سلبيا على ودائع الزبناء وغيرها من قروض الغير. وبدون الدخول في تفاصيل ليست ضرورية، يمكن القول بأن الاختلاسات والتجاوزات التي ارتُكِبت في  المغرب في العقد الأخير من القرن العشرين نماذج لما يمكن أن يحدث في المؤسسات المالية عندما يتصف تدبيرها بالضعف والتهاون.

لابد من الإشارة إلى أن نشاط البنوك وغيرها من مؤسسات الائتمان أصبح خاضع في المغرب لقانون مقيد ومجبّر أُُصدِر نصه الجديد في 14 فبراير2006. في الحقيقة لم يفعل المشرع المغربي سوى ما فعله مشرعون آخرون لما تيقنوا من أن الائتمان المؤسسي يتطلب الحكمة والتبصر والحذر لكي لا تضيع أموال معظمها اجتُذِب مما وفره عدد كبير من السكان. وكان من بين القرارات التي اتخذها الجهاز التشريعي في الولايات المتحدة بعد أزمة 1929 إرغام البنوك على احترام قانون صارم ينظم ترويج أموال الغير وعلى الخضوع لمراقبة تكلفت بها هيئة أحدثت تحت اسم "منظمة الاحتياط الفدرالي" وعلى اكتتاب تأمين يغطي الودائع  كليا إذا كانت متواضعة وجزئيا إذا كانت مرتفعة. وبمجرد ما انتهت الحرب العالمية الثانية امتدت مراقبة النشاط البنكي إلى أهم دول أوربا الغربية، وابتداء من عقد السبعينات من القرن العشرين أصبحت تشمل  معظم بلدان العالم.

وتتبع بنك المغرب منذ إحداثه ما يجري في البنوك التجارية المتواجدة في بلادنا. وبطلب من صندوق النقد الدولي، فرض، ابتداء من سنة 1966، تقنينا مشددا  للقروض المصرفية كانت الغاية منه حصر التضخم المالي. ورغم انعدام تشريع يخول له بوضوح  حق الإطلاع على حسابات البنوك، فقد استطاع، قبل السبعينات من القرن العشرين، أن يُجبر بعض المؤسسات الصغيرة على قبول مراقبة ميدانية مكنته من اكتشاف بعض المخالفات لقواعد الحذر التي سيفرضها القانون فيما بعد.

وطبقا لمقتضيات القانون المطبق حاليا، تُحدث مؤسسات الائتمان على شكل شركات مساهمة (مجهولات الاسم) . وباستثناء المؤسسات التي حدد لها القانون نظاما خاصا، يجب أن يكون لكل واحدة منها مجلس إداري أو مجلس رقابة. وكلا المجلسين عبارة عن هيئة جماعية إذ يجب أن تتكون من أعضاء يتراوح عددهم بين ثلاثة على الأقل واثني عشرة على الأكثر وذلك مع العلم أن الحد الأعلى يمتد إلى خمسة عشر عضوا إذا كانت أسهم الشركة تباع وتشترى في بورصة القيم. ويسعى المشرع بواسطة هذه الأحكام إلى عدم ترك الحل والعقد بين يدي شخص واحد أو على الأقل إلى إيجاد جهاز(مجلس الرقابة) مهمته المراقبة الدائمة للهيئة المديرة.

 تتوفر أغلبية المؤسسات التي حدد لها القانون نظاما خاصا  على مجلس إداري. إلا أن دور هذه الهيئة الجماعية كان - على الأقل إلى نهاية القرن العشرين - محدودا جدا، إذ لم يختلف عن دور الجمعيات العامة للشركات التجارية المساهمة (المجهولات الاسم) التابعة للقطاع الخاص، وهكذا كانت تنحصر اختصاصات الأعضاء في الإطلاع على ما يقرره وينفذه الرئيس أو المدير العام وفي الموافقة بدون دراسة مسبقة ومعمقة على بعض القرارات، هذا مع العلم أن تواتر الاجتماعات قليل جدا (بين واحد وأربعة في السنة) والمدة التي تُخصص لكل جلسة  قصيرة نسبيا (بين ساعة واحدة وأربع ساعات). ولذلك كانت صلاحيات الرئيس أو المدير العام واسعة بحيث تشمل قرارات التنظيم وتحديد سياسة التمويل والاستثمار وكيفية اقتناء الوسائل البشرية والمادية، الخ. ويعتبر نظام للإدارة والرقابة مثل هذا غير سليم مادام أعضاء الهيئة الجماعية يعتبرون مشاركتهم ثانوية أو تبعية ويجهلون أو يتجاهلون قضايا جوهرية بالنسبة لمصير المؤسسة. ومن الجدير بالذكر هنا أن  المجلس الإداري أو التنفيذي في بعض المنظمات الدولية يتكون من عدة أشخاص لا عمل مهني لهم سوى تلك العضوية، الشيء الذي يجعلهم يقيمون في نفس المدينة التي يوجد فيها مقر المؤسسة. هذا وإن تواتر اجتماعات المجلس التنفيذي لكل من الصندوق النقدي الدولي والبنك العالمي لا يقل عن مرتين في الأسبوع.

هذا وإن  الإدارة أو الرقابة الجماعية لا تحمي المؤسسة من سوء التدبير إلا إذا توفرت بعض الشروط في الهيئة المكلفة بذلك، أذكر منها التالية: أولا، يجب أن يكون كل عضو على علم بما يديره أو يراقبه وقادرا على توقع النتائج الإيجابية والسلبية لما تُقرره الهيئة التي ينتمي إليها. ثانيا، يتحتم عليه أن يعارض كل اقتراح أو مشروع قد يضر المؤسسة ولو صدر من الرئيس أو من سلطة أعلى. ثالثا، من الضروري أن يكون هناك نظام داخلي يحدد بوضوح كيفية إجراء المناقشات واتخاذ القرارات والتصويت إن اقتضى الحال. رابعا، على رئيس الاجتماع، ولو كان يشغل في نفس الوقت منصب المدير العام أو المدير التنفيذي، أن يعرف كيف يسير الجلسات وأن لا يمنع أي عضو من التعبير عن أفكاره بكل حرية ولو كانت تحتوي على ملاحظات سلبية وانتقادات شخصية.

هناك من يؤكد بأن تحويل مؤسسة مالية من عمومية ذات قانون خاص بها إلى شركة مساهمة (أو مجهولة الاسم) سيجعلها قادرة على التغلب على الصعاب التي تواجهها. لا اعتقد بأن تعويض نص قانوني بآخر يكفي لوضع حد لاختلال هيكلي. أهم ما يحدث عند ما يتم التحويل وتبقى جميع أو أغلبية الأسهم في ملك الدولة ولا تُراجع كيفية تعيين أعضاء مجلس الإدارة أو مجلس الرقابة وقواعد التدبير والتنظيم الوظيفي داخل المؤسسة، ينحصر في تغيير عِنوان المسؤول الأول ليصبح رئيسا مديرا عاما أو رئيس اللجنة المديرة بدلا من مدير عام.

 

مقالاتصفحة الإستقبال