قد يكون من المفيد، قبل الدخول في موضوع هذا المقال، ذكر الرموز التي يستعملها صندوق النقد الدولي وأغلبية البنوك المركزية عند تسمية مُجمّعات النقود المنتمية للخواص والمقاولات غير المالية المتواجدة داخل الحدود السياسية لكل مجموعة بشرية لها نفس العملة. يتعلق الأمر بـ م1 (M1) و م2 (M2) و م3 .(M3)

يمثل المجمع م1 العملة الائتمانية (أي الأوراق البنكية والنقود المعدنية المتداولة) والعملة الكتابية (أي الودائع البنكية عند الطلب) ويتميز بكونه يلعب دور وسيلة للأداء بدون أي تحويل مسبق إلى نوع آخر من النقود، لأن ملكية الأوراق البنكية والنقود المعدنية تنتقل من أشخاص إلى أشخاص بواسطة التسليم، وملكية الودائع البنكية عند الطلب بواسطة الشيكات والتحويلات من حسابات بنكية إلى أخرى. ويتكوّن المجمع م2 من م1 زائد (+) الودائع عند الطلب التي لا تستعمل كوسيلة للأداء إلا بعد تحويلها إلى عملة ائتمانية أو كتابية (الأموال المسجلة في دفاتر الادخار لدى البنوك وصناديق التوفير). أما المجمع م3، فأنه يمثل الكتلة النقدية بأكملها، أي م2 زائد (+) التوظيفات لأجل التي تضم حسابات وسندات وشهادات بنكية للإيداع.

في نهاية 1958، أي بعد مرور عشرة أشهر على توحيد النقود المغربية، كانت م3 تساوي في المغرب 275 مليار فرنك قديم (2,75 مليار درهم)، منها 28% كأوراق بنكية و1% كنقود معدنية و65% كودائع عند الطلب. وهكذا فإن المجمع م1 كان يضم 94% من م3، وذلك مع العلم بأن هذا الأخير كان في ذلك التاريخ  يعادل من حيث القيمة 41% مـما يسمى بالناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية للبلاد.  

إذن، في أواخر الخمسينات من القرن السابق، كان مستوى السيولة النقدية بالنسبة للقيمة بالأسعار الجارية لِمنتجات المغرب من بضائع وخدمات منخفضا جدا، وذلك لأن التعامل بالأوراق البنكية وتحويل جزء منها إلى ودائع عند الطلب ودفاتر ادخار وتوظيفات لأجل لم يكونا في متناول سوى عدد ضئيل من السكان.

ماذا حدث من بعد؟

ازدادت السيولة النقدية بسرعة. ومع مرور السنين انتشر التعامل بالنقود في المدن والقرى وارتفع شيئا فشيئا المستوى النسبي للمجمع م3 إلى أن أصبح في نهاية سنة 1996 يمثل %66 من قيمة الناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية. وبعد 1996، تقوّت سرعة الزيادة النسبية للسيولة النقدية إلى أن أصبح المجمع م3 يفوق قيمة الناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية، وذلك ابتداء من سنة 2005. وفي نهاية 2006، وصل م3 إلى 555,5 مليار درهم، بينما ينتظر أن تقدر في حوالي 500 مليار درهم قيمة الناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية لنفس السنة[1]. ولذلك لا يستبعد أن يكون مستوى م3 بالنسبة للناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية قد وصل أو تعدى %110 أي أعلى بكثير مما هو عليه في دول متقدمة لم تلجأ إلى التضخم المالي لخلق مناخ ملائم للنمو السريع[2].

ويثير أيضا الانتباه  كون حصة م2 في م3 ارتفعت بين 1997 و2006  بـ 6,5 وحدات مئوية  منها 5 وحدات كزيادة في حصة م1 وهو، كما قيل سابقا، المجمع المكون من الأوراق البنكية والنقود المعدنية والودائع البنكية عند الطلب. وهكذا فإن التوظيفات لأجل، التي تُعتبر مصدرا داخليا لتمويل الاستثمارات، أصبحت لا تمثل في نهاية سنة 2006 سوى %21,3 من المجمع م3 بدلا من %27,8 في نهاية 1997.  .

هناك من يعتقد أن تكلفة المعيشة ازدادت في المغرب منذ نهاية القرن العشرين  بوثيرة أعلى من الوثيرة الملاحظة عند مقارنة الأرقام الاستدلالية التي أعدتها مديرية الإحصاء وأخِذت بعين الاعتبار في تقدير الناتج  الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية، ولذلك يعتبر الزيادات التي نسبت للمقياس العام في السنوات الأخيرة (+1,9 في سنة 2000، 0,6 في 2001، 2,8 في 2002، 1,2% في 2003، 1,5% في 2004، +1,0% في 2005) أقل من الحقيقية. وبدون أي انتقاد سلبي أو إيجابي لهذا الاعتقاد، يمكن القول بأنه، حتى ولو بلغ التضخم المالي المستوى الذي كان عليه قبل التسعينات، ما وصلت أو تعدت، بعد سنة 1997، سرعةُ ازدياد الناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية سرعةَ ازدياد م3. كيف ما كان الحال ونظرا للانكماش النسبي للتوظيفات لأجل، من المحتمل أن يكون جزء مما سجلته زيادة م1  قد وجه في السنوات الأخيرة إلى الاكتناز داخل البلاد.

عدد كبير من المغربة متعودون على الاكتناز. قديما كنزوا نقودا ذهبية وفضية و، بعد الحرب العالمية الثانية، دولارات أمريكية على شكل أوراق بنكية. ولا يُستبعد أن يكون جزء من الـ417 مليون ورقة من فئة 500 إورو التي أصدرها البنك المركزي الأوربي إلى نهاية شهر يناير المنصرم قد اخترق بوغاز جبل طارق ليعوض دراهم مغربية مكتنزة.  

_________

[1]  قبل صدور هذا المقال، لم ينشر في المغرب أي تقدير رسمي للناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية لسنة 2006.

[2] في سنة 2005 لم يتعد في الولايات المتحدة الأمريكية مستوى م3 بالنسبة للناتج الداخلي الإجمالي بالأسعار الجارية %80.

 

صفحة الإستقبال