منذ فاتح يناير 2002 يتعامل سكان اثني عشرة دولة أوربية بأوراق بنكية ونقود معدنية قيمتها مُعبر عنها بواسطة عملة موحدة أُطلق عليها إسم "إورو". وبعد شهرين من ذلك التاريخ اصبحت بدون حق الرواج القانوني وبدون قوة إبرائية جميع الأوراق والنقود المحررة بالفرنك في فرنسا وبلجيكا واللوكسمبورج وبالمارك في ألمانيا وفنلاندا وبالليرا في إيطاليا وبالبسيطة في إسبانيا وبالفلورن في هولاندا وبالإسكودو في البرتغال وبالدراكما في اليونان وبالشيلينج في النمسا وبالجنيه في إيرلاندا. وهكذا تنتهي آخر مراحل توحيد نقدي تقرر الوصول إليه في 1991.
أُحدث "النظام الأوربي للبنوك المركزية" بواسطة المعاهدة التي وقعت بماستريخت (هولندا) في 7 فبراير 1991، من أجل التعامل بنفس النقود في جميع أقطار الاتحاد الأوربي الراغبة في ذلك إذا توفرت فيها شروط أُطلِق عليها اسم "معايير التقارب" وهي أن لا يتجاوز دين الدولة 60 % من الناتج الداخلي الإجمالي وعجز الميزانية 3 % من نفس الناتج وأن لا يبتعد سعرا الصرف والفائدة ونسبة التضـخم المالي من متـوسط "أحسـن المستويات" المحققة في الاتحاد الأوربي. وفي دجمبر 1995، اختار المجلس الوزاري الأوربي المنعقد بمدريد كلمة "إورو" كاسم للوحدة النقدية الأوربية، وفي فاتح يونيو 1998 دُشن البنك المركزي الأوربي الذي، بصفته بنك البنوك المركزية الوطنية، أصبح، ابتداء من فاتح يناير 1999، صاحب الحل والعقد في السياسة النقدية المطبقة في الأقطار المعنية.
ولضمان استقلال ذلك النظام وطبقا للفصل 107 من معاهدة ماستريخت، لا يجوز للبنك المركزي الأوربي ولا للبنوك الوطنية التابعة له، ولا لأعضاء هذه المؤسسات، طلب أو قبول تعليمات من مؤسسات المجموعة الأوربية أو من الحكومات القطرية أو من أي هيأة أخرى. هذا ويتحتم على المؤسسات والحكومات القطرية احترام هذا المبدأ وتجنب التأثير على قرارات أعضاء هيئات التدبير في البنك المركزي الأوربي وفي البنوك المركزية القطرية .
لما تقلد البنك المركزي الأوربي المهام المخولة له، كان عدد الدول المنضمة إلى النظام النقدي الجديد أحد عشرة، أي جميع أعضاء الاتحاد الأوربي باستثناء بريطانيا العظمى والسويد والنرويج واليونان، إلا أن هذه الأخيرة قررت واستطاعت أن تنضم ابتداء من فاتح يناير 2001. ويعتبر توحيد عملات اثني عشر دولة مستقلة ثورة لم يسبق لها مثيل، على الأقل، منذ أن أصبحت جميع النقود المتعامل بها في العالم ائتمانية. وهكذا تنازل حكام تلك الدول عن حق اعتبر منذ القديم مرتبطا بالسيادة الوطنية، ذلك مع العلم أن أسلافهم كانوا قد تعودوا على تكييف حجم الموجودات النقدية،لا من أجل ضبط اتجاه الاقتصاد الوطني فحسب، بل كذلك لتغطية عجز الميزانية بغض النظر عما كان يحدث في الأقطار المجاورة وعما قد ينتج من ارتفاعات في الأسعار عن المبالغة في الزيادة .
وأول ما يلاحظ عند تحليل النظام النقدي الأوربي كون المعادلات الحسابية الضرورية لمعرفة ما يقابل بالإورو المقادير بالنقود الوطنية المعوضة - أو ما يقابل بالنقود الوطنية المعوضة المقادير بالإورو - ليست عبارة عن عمليات ضرب في أو قسمة على 1 أو 10 أو 100 أو 1.000 تنجز ذهنيا كيف ما حدث في شمال المغرب عند تعويض البسيطة بالفرنك في فبراير 1958. حينئذ لم يصعب التحديد الذهني للقيم المقابلة لأن المعادلة كانت 10 فرنكات مقابل كل بسيطة. وكان حكام المغرب قد ادعوا بأن الغاية من وضع هذه المعادلة هي جعل سكان الشمال يربحون في التبديل ما دام سعر البسيطة في سوق الصرف الحرة بطنجة لا يتعدى 7 فرنكات. إلا أن السبب الحقيقي لم يكن سوى تسهيل عمليات الضرب في الشبابيك المتعددة التي فتحت في مختلف المدن والقرى لإنجاز عملية سحب في مدة لا تتعدى أسبوعين، خصوصا وأن، في ذلك الوقت، لم تكن هناك تجهيزات إلكترونية صغيرة الحجم وخفيفة الوزن ومنخفضة الثمن يستعملها الصرافون لتحديد القيم المقابلة بسهولة وسرعة مهما كان سعر الصرف معقدا.
ورغم أن التكنولوجيا في بداية القرن الواحد و العشرين تقدمت كثيرا بالنسبة لما كانت عليه في سنة 1958 إذ أصبحت الآلات الحسابية في متناول الجميع، ورغم أن حسوبات إلكترونية صغيرة جدا قد وزعت مجانا على السكان لتسهيل عمليات المرور من العملة الوطنية القديمة إلى العملة الموحدة، فإن تطبيق معادلة إورو واحد يساوي 6,55957 فرنكات فرنسية أو 1,95583 مارك ألماني أو 1.936,27 ليرا إيطالية أو 166,386 بسيطة إسبانية لم يضمن نجاة المغفلين من عواقب غشون ارتكبت بالخصوص خلال مرحلة الإقلاع. هذا وإن تعقد معادلات التحويل لم يساعد على التناسي السريع للأنظمة القديمة إذ ما زال عدد كبير من الأوربيين يقدرون القيم ولو تقريبيا ويعبرون عن الأسعار بعمولات أصبحت تلعب دور وحدات حسابية وهمية. هذا وإن هذه الظاهرة تذكر بما حدث مرتين في المغرب، أين استمر السكان الأصليون يعبرون عن القيم النقدية بالريال بعد ما انتهى سحب النقود الفضية الحسنية في سنة 1921 وبالريال والفرنك بعد ما أصبح الدرهم اسما للوحدة النقدية المغربية الرئيسية ابتداء من فاتح يوليو 1959.
إذن بعد انضمام سلوفينيا في فاتح يناير 2007 إلى "منطقة الإورو"، أصبح سكان ثلاث عشر دولة أوربية يتعاملون بنقود يُعبٌَر على قيمة وحدتها بـ"الإورو" وعلى جزء مِائتها بـ"السنت". ويتكلف البنك المركزي الأوربي، مباشرة وبواسطة البنوك المركزية الوطنية (أو القومية) المعنية، بإصدار أوراق نقدية تحمل كل فئة منها نفس الطباعة ونفس وسائل مواجهة التزوير، ويعتبر المتداول من تلك الأوراق دينا عليه. هذا وكما هو جار به العمل في أغلبية بلدان العالم، تُصدرالقطع المعدنية في تلك المجموعة باسم وعلى حساب خزينات الدول المنتمية إليها ويعتبر المتداول منها دينا عموميا*، وذلك مع العلم بأن النقش الذي تحمله إحدى وجهتي كل فئة يختلف من دولة إلى أخرى. كيف ما كان الأمر وبغض النظر عن المكان الذي يتم فيه الإصدار، فإن حق الرواج القانوني والقوة الإبرائية للأوراق البنكية والنقود المعدنية التي تحمل اسم "إورو" أو "سنت" (الإورو) يمتدان إلى تراب جميع الدول الأوربية المنضمة إلى النظام النقدي الموحد .
مما لا شك فيه أن مستوى الدمج الذي وصل إليه اقتصاد الاتحاد الأوربي يجعل من الصعب تفكيك الوحدة النقدية التي توجت بتعويض النقود الائتمانية المتداولة في دول أغلبيتها صناعية ومتقدمة ومجموع سكانها يفوق 315 مليون نسمة. إلا أن بعض المتشائمين في أوربا لا يستبعدون حدوث انفصال أو انفصلات ما دام الاتحاد الأوربي لا يتوفر على جهاز تشريعي موحد وحكومة مركزية يتكلفان على الأقل بوضع أسس السياسة الاقتصادية العامة وبتدبير الدفاع الوطني المشترك والعلاقات الخارجية، خصوصا وإن أحد أهم أعضائه، أي المملكة المتحدة البريطانية، ما زال خارج الاتحاد النقدي. وكيف ما كان الحال سيصعب على الدولة التي قد تسترجع في المستقبل حريتها النقدية العودة إلى القواعد التي طبقتها قبل انضمامها إلى نظام البنوك المركزية الأوربية.
-------
(*) تعتبر جميع النقود المتداولة قانونيا في المغرب، سواء كانت ورقية أو معدنية، دينا على بنك المغرب وذلك منذ إحداث هذه المؤسسة في فاتح يوليو 1959 وطبقا لقانونها الأساسي.